الحارث المحاسبي
311
الرعاية لحقوق الله
قال : ذلك على معنيين . . . أحدهما أن تكون صادقا في ذلك ، غير مطمئن إلى حمدهم ، تشكر اللّه عزّ وجلّ على ستره ، وتعلم بأن حمدهم لم يزدك في معنى من المعاني ، وقد تكون ركنت إلى حمدهم واستراحت نفسك إلى ذلك ، وأنت تعطى من قلبك الكراهة على خدعة وغرّة ، وذلك أن النفس قد ظفرت بما أحبّت من حمد العباد ، فلا تبالي أن تعطي الكراهة لغير نقص من محبّتها ، وقد ظفرت بما أحبّت . وذلك مثل الرجل يكون عنده ما يكفيه ، ويكون له من ينفق عليه ، فيقول : توكلت على اللّه وما أهتمّ للرزق ، ويخيّل إليه أن ذلك يقين منه وتوكل ، وإنما طمأنينته وثقته بالكفاية والإجراء عليه ، ونفسه تريه وتخيل إليه أن ذلك يقين منه وتوكل . قلت : فبمّ أميّز بين هذين المعنيين ؟ قال : إذا تغيّروا أو تغيّر بعضهم عن الحمد ، فإن رأيت نفسك لا تغتم إلا خطرات لا تملك ، وأنت لها راد ، فاعلم أنها صادقة في نفي حمدهم ، ولولا أنها كانت زاهدة في حمدهم لما قلّ غمّها بزواله ، وإن اغتمت بتغيّرهم عن الثناء عليك ، وما خطر منه على قلبك لا تكاد أن تخرجه واشتغل به قلبك ، فهذا دليل الخوف أن تكون النفس كانت راكنة راغبة في حمدهم ، ولولا ذلك ما اغتمت ، إلا عارض غم مردود بعقل عن اللّه عزّ وجلّ ، ولولا أنه نزع منها ما تحبّ ما اغتمت ، بل قد تغتم بالظنّ دون اليقين ؛ كراهة أن يكونوا قد ظنّوا بك غير ما كانوا يعرفونك به ، حتى يشتغل بذلك قلبك ، ولعلك أن تخرج إلى أن تقع فيمن ذكرك لئلا يصدق عليك ، وتعتذر بالكذب ، وتحلف بالأيمان ، وتسهر بالليل للفكر ، فإن علمت أنهم قد أيقنوا بذنبك شغلك الهمّ